عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

369

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

إن كنت لست معي فالذكر منك معي * يراك قلبي وإن غيبت عن بصرى وإنما قلت هذين البيتين لأنى رأيت بعض المصنفين قد استشهد ببيت لا يصلح وهو هذا : فهذا لا يجوز في حق اللّه تعالى لوجهين : أحدهما قوله لست معي ، والثاني قوله غيبت عن بصرى ، بضم الغين المعجمة وكسر الياء المثناة من تحت وتشديدها ، ولا يصح أيضا في حقّ المخلوق ، فإن قلبه لا يراه لعدم النور الحاصل للعارفين باللّه ، بل قلب مثل هذا أشدّ ظلمة من سائر الجهال ، وإنما ذلك للعارفين كما قال القائل : قلوب العارفين لها عيون وكذلك لا يحسن قوله : فالذكر منك معي ، وإنما يحسن هذا الذكر من الخالق عزّ وجلّ كما قال سبحانه ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وقال تعالى ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ) وقال تعالى ( في الحديث القدسي ) : أنا جليس من ذكرني ، وأشباه ذلك من القول الكريم الذي يكسو العبد خلع عوالي الشرف ، ويسكنه من الجنان قصور أعالي الغرف ، اللهم أحي قلوبنا بغيث رحمتك ونوّرها بنور معرفتك وزينها بذكرك وشكرك وحسن عبادتك ، فإنك الملك المنان الكريم ، ذو الفضل العظيم ، والمسلمين آمين : ولئن سلمنا أن مثل هذا قد يقال في حق المخلوق مجازا مع ما فيه من التعسف ، فلا يحسن أيضا أن يستشهد به في باب المعرفة باللّه سبحانه وتعالى والمشاهدة لجمال جلاله تعالى بأنوار القلوب المسقاة كؤوس الوصل من راح المحبة على بساط القرب في حضرة القدس حين طاب وقت المنادمة والأنس ، وللّه در القائل : قلوب العارفين لها عيون * ترى ما لا يراه الناظرونا وألسنة بسرّ قد تناجى * يغيب عن الكرام الكاتبينا وأجنحة تطير بغير ريش * فتأوى عند ربّ العالمينا وترعى في رياض القدس طورا * وتشرب من بحار العارفينا عبادا قاصدوا بالسرّ حتى * دنوا منه وصاروا صابرينا